أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

156

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

59 - قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم . أمّا السائرون ، فلأنّهم لم يتحقّقوا الصّدق مع اللّه فيها ، وأما الواصلون فلأنّه غيّبهم بشهوده عنها . قلت : قطع : هنا بمعنى غيب ، ولو عبر به لكان أظهر وأسهل لما في التعبير بالقطع من الشؤمة « 1 » ، وفي عبارته شيء من النقص ، فلو قال : غيب السائرين له عن رؤية أعمالهم وأحوالهم والواصلين إليه عن رؤية وجودهم ، أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا فيها الصدق مع اللّه ، وأما الواصلون فلأنهم لم يشهدوا مع اللّه سواه « 2 » ، يعني أن الحق تعالى غيب السائرين له والواصلين إليه ، عن رؤية أعمالهم الظاهرة وشهود أحوالهم الباطنية أما السائرون ، فلأنهم يتهمون أنفسهم على الدوام فمهما صدر منهم إحسان ولاح لهم يقظة أو وجدان رأوها في غاية الخلل والنقصان ، فاستحيوا من اللّه أن يعتمدوا عليها أو يعتدوا بها ، فغابوا عن أعمالهم وأحوالهم واعتمدوا على فضل ربهم ، فالصدق هو لبّ الإخلاص وسره ، أي لم يتحققوا بسر الإخلاص فيها فلم يروها ولم يركنوا إليها ، سئل بعض العارفين : ما علامة قبول العمل ؟ قال : نسيانك إياه وانقطاع نظرك عنه بالكلية بدلالة قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] .

--> ( 1 ) ولم يكن ذلك ممكنا لأنه يقول عن الواصلين بعد ذلك : " غيبهم شهوده " ، وفي التكرار شيء من الركاكة لذا عبر ب " قطع " . وقد فسره الإمام الشرقاوي ب " حجب " ولعله أنسب للمقام . ( 2 ) لعل عبارة سيدي ابن عجيبة أوضح بحق ، إلا أنه يلوح أنه فهم اشتراك السائرين والواصلين في عدم رؤية الأعمال والأحوال ، بينما يلوح من العبادة لف ونشر ، فيكون معنى الحكمة : قطع السائرين عن رؤية الأعمال والواصلين عن شهود الأحوال ، ويؤيده قول البريفكاني في نظمه للحكم : فقطع السائر عن أعماله ، وقطع الواصل عن أحواله ، انظر شرح الحكم العطائية المسمى ب تلخيص الحكم ص 194 .